الخرطوم- على وقع تصاعد المواجهات العسكرية في ولايتي شمال كردفان وغربها وإقليم النيل الأزرق جنوب شرق السودان، أعلن المقدم محمد أزرق الفنجري، الذي عرّف نفسه بأنه قائد مجموعة المهام الخاصة بقوات الدعم السريع، انشقاقه عنها وانحيازه للجيش.
ويعتقد مراقبون وخبراء عسكريون أن تزايد الانشقاقات وسط قوات الدعم السريع سيضاعف من متاعبها المعنوية والعسكرية والتنظيمية، وربما يدفع إلى انفراط عقدها إذا استمر نزيف القيادات الميدانية.
قصص مقترحة
قائمة من 2 العناصرنهاية القائمة
ولا توجد إحصاءات رسمية بأعداد المنشقين، لكن الأرقام المعلنة تشير إلى عدة آلاف من المقاتلين، بين مجموعات كبيرة جرى تنسيق عودتها مع الاستخبارات العسكرية، وأعداد أخرى تسلم نفسها بصورة متفرقة في محاور القتال المختلفة.
وشهدت الأشهر والأسابيع الماضية حالات جديدة. وكانت أبرز حالات الانشقاق قد سُجلت في أكتوبر/تشرين الأول 2024، بانضمام قائد قوات الدعم السريع في ولاية الجزيرة أبو عاقلة كيكل إلى الجيش.
اعتذار للسودانيين
وأعلن المقدم محمد أزرق الفنجري، الذي عرّف نفسه بأنه قائد مجموعة المهام الخاصة بقوات الدعم السريع، أمس الخميس انشقاقه وتخليه عن جميع مهامه العسكرية، وتبرؤه من الانتهاكات بحق المدنيين.
وتُعد وحدة المهام والعمليات الخاصة في قوات الدعم السريع النواة النخبوية في البنية العسكرية للقوات، لكن هناك تكتما استخباريا حول التفاصيل الدقيقة عنها والمهام التي نفذتها.
وفي بيان مصور، دعا الفنجري من وصفهم بـ”رفاق السلاح” إلى مراجعة أنفسهم، وحثهم على العودة إلى حضن الوطن والتكاتف خلف القوات المسلحة.
وخلال تسجيله، قال الفنجري إنه يعلن براءته الكاملة أمام الله والشعب السوداني من أي انتهاكات أو تجاوزات طالت المدنيين، سواء تعلقت بأعراضهم أو ممتلكاتهم، مقدما اعتذاره لكل أسرة سودانية قال إنها تضررت جراء الحرب الدائرة في البلاد.
وأوضح أن قرار مغادرته صفوف الدعم السريع لم يكن وليد اللحظة، بل سبقه، بحسب روايته، تأمل عميق ومراجعة صادقة لمسار الحرب التي وصفها بـ”العبثية”، مشيرا إلى ما خلفته من تشريد للسكان وسقوط قتلى ودماء بين السودانيين.
ورأى الفنجري أن استمرار الحرب لا يخدم قضية واضحة ولا يفتح طريقا لمستقبل، قائلا إن “هذه الحرب بلا قضية وبلا مستقبل”، مشيرا إلى أن العودة إلى الوطن تظل الخيار الذي يتسع للجميع، وفق ما ورد في التسجيل.

دور القائد المنشق
لم يحدد الضابط المنشق عدد الذين يرافقونه، لكن منصات قريبة من الجيش ذكرت أن نحو 300 ضابط وجندي على متن 30 عربة قتالية سلموا أنفسهم في أحد محاور القتال.
ويوضح الخبير العسكري أبو بكر عبد الرحيم، في حديث للجزيرة نت، أن للمقدم الفنجري دورا ميدانيا ونوعيا مؤثرا داخل قوات الدعم السريع، وتستمد أهمية دوره من طبيعة الموقع القيادي والوحدة التي كان يشرف عليها.
ويضيف أن الضابط المنشق بحكم موقع قيادته للعمليات الخاصة، كان يمتلك معرفة دقيقة بخرائط الانتشار، وغرف العمليات، وطرق الإمداد، ونقاط ضعف القوات في المناطق التي كان ينشط فيها، مما يجعل انضمامه إلى الجيش ضربة استخباراتية وميدانية للدعم السريع.
ويُبرِز هذا الانشقاق، حسب عبد الرحيم، تزايد حالات المغادرة والتفكك في التماسك التنظيمي والعسكري لصفوف الدعم السريع، خاصة عندما يتعلق الأمر بحدوث الانشقاق على مستوى القيادات الميدانية والوحدات النوعية.

من جانبها، تجنبت قوات الدعم السريع التعليق على انشقاق مسؤول المهام الخاصة، لكن مسؤولا في اللجنة الإعلامية لتحالف السودان التأسيسي “تأسيس” الذي يتزعمه قائد القوات محمد حمدان دقلو “حميدتي” قلل من الانشقاق وعده غير مؤثر وشكك في أن الفنجري كان قائدا للمهام الخاصة.
ويقول المسؤول الإعلامي، الذي طلب حجب هويته، للجزيرة نت إن استخبارات الجيش تحاول إحداث فرقعات إعلامية والتغطية على تراجع الجيش في محاور القتال وخاصة في النيل الأزرق.
وشهدت مواقع التواصل الاجتماعي تنشط فيها قيادات ميدانية ومقاتلون بالدعم السريع جدلا بشأن انشقاق الفنجري، حيث دافع بعضهم عن أدوار مؤثرة كان وراءها خلال الحرب من الخرطوم إلى كردفان ودارفور، بينما قلل منه آخرون واتهموه ببيع مواقفه وترجيح مصلحته الشخصية.
تداعيات محتملة
ووفق تقديرات خبراء، فإن الانشقاق الأخير يشير إلى تراجع الروح المعنوية والمبررات الميدانية، إذ وصف الفنجري -في بيانه- الحرب بـ”العبثية” مقدما اعتذاره للشعب السوداني، مما يعكس تحولا في القناعات الفكرية والسياسية لدى بعض القيادات بشأن أهداف الصراع واستمراره.
وعن التداعيات العسكرية والتكتيكية المحتملة لهذه الانشقاقات، يقول الخبير الأمني إبراهيم عبد القادر للجزيرة نت إن أبرزها:
- كل انشقاق لقائد ميداني يكشف الثغرات وخرائط الألغام وطرق الإمداد للجيش، مما يسهل اختراق مواقع الدعم السريع كما حدث في ولاية الجزيرة سابقا وسودري بشمال كردفان مؤخرا إثر انشقاق مسؤول في استخبارات القوات.
- مغادرة المجموعات بأسلحتها ومركباتها القتالية تتسبب في نزيف مستمر لعتاد القوات.
- تفكك الهيكل التنظيمي وانتشار الشكوك والريبة بين القيادات المتبقية، خوفا من انشقاقات جديدة، مما يضعف اتخاذ القرار العسكري.
- تقدم الجيش واستعادته لعدة مناطق في محاور كردفان دفع العديد من القادة إلى القفز من المركب قبل غرقه مما يشجع آخرين على مواقف مماثلة.
وحذر الخبير الأمني من ردود فعل انتقامية ضد المدنيين، حيث أظهرت التجارب السابقة أن الانشقاقات البارزة تتبعها أحيانا هجمات انتقامية من قبل الدعم السريع على القرى والمناطق التي ينتمي إليها القادة المنشقون.

في حين يُثير استقبال الجيش للقادة المنشقين والذين شارك بعضهم في الانتهاكات سابقا جدلا بين السودانيين حول الإفلات من العقاب مقابل التخلي عن القوات المتهمة بارتكاب جرائم وانتهاكات واسعة، حسب الخبير الأمني ذاته.
وفي الاتجاه الآخر، تبنت قيادة القوات حزمة تدابير أمنية وعسكرية ولوجيستية للحد من الانشقاقات والسيطرة على التماسك الداخلي لقواتها، منها:
- مراقبة تحركات واتصالات القادة الميدانيين.
- تجريد أو تقليص سلطات بعض القادة الذين تحوم حولهم الشكوك وفق شهادات منشقين سابقين.
- نشر استخبارات الدعم السريع نقاط مراقبة على الطرق والمسارات المؤدية إلى مناطق سيطرة الجيش لتفتيش القوات المتحركة والتأكد من حملها أوامر تحرك.
- فرض ضوابط مشددة على الوقود والعتاد القتالي، وعدم تسليم القيادات الميدانية كميات منه إلا عند خوض عمليات لتعقيد خروج أي قوة بمركباتها وعتادها.